عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

328

اللباب في علوم الكتاب

البعيد إلى القريب بواسطة الرّشاء ، فالمقصود البعيد يصير قريبا ، بسبب الرّشوة . والثاني : أن الحاكم بسبب أخذ الرّشوة يمضي في ذلك الحكم من غير تثبّت ؛ كمضيّ الدّلو في الرّشاء ، ثم المفسّرون ذكروا وجوها « 1 » ؟ أحدها : قال ابن عبّاس ، والحسن - رضي اللّه عنهما - وقتادة : المراد منه الودائع ، وما لا يقوم عليه البيّنة « 2 » . وثانيها : أن المراد هو مال اليتيم في يد الأوصياء يدفعون بعضه إلى الحكم ، ليبقى لهم بعضه « 3 » . وثالثها : قال الكلبيّ : المراد بالإدلاء إلى الحكّام : هو شهادة الزّور « 4 » . ورابعها : قال الحسن : هو أن يحلف ؛ ليذهب حقّه « 5 » ؛ كما تقدّم في سبب النّزول . وخامسها : وهو أن يدفع إلى الحاكم رشوة « 6 » ، وهذا أقرب إلى الظاهر ، ولا يبعد حمل اللفظ على الكلّ ؛ لأنها بأسرها أكل للمال بالباطل .

--> - وهو السفير بينهما ، وهي ، أي : الرشوة : ما يعطى بعد طلبه لها ، ويحرم بذلها من الراشي ليحكم له بباطل ، أو يدفع عنه حقه . وإن رشاه ليدفع عنه ظلمه ، ويجريه على واجبه - فلا بأس به في حقه ، قال عطاء وجابر بن زيد ، والحسن : لا بأس أن يصانع عن نفسه ؛ ولأنه يستفيد ماله كما يستفيد الرجل أسيره ، ويحرم قبوله ، أي : القاضي هدية ؛ لما روى أبو سعيد قال : بعث النبي - صلى اللّه تعالى عليه وسلم - رجلا من الأزد يقال : ابن اللتبية على الصدقة ، فقال : هذا لكم وهذا أهدي لي ، فقام النبي - صلى اللّه تعالى عليه وسلم - ، فحمد اللّه - تعالى - ، وأثنى عليه ، ثم قال : « ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول : هذا لكم وهذا أهدى إليّ ، ألا جلس في بيت أبيه ، فينظر أهدي إليه أم لا ، والذي نفس محمد بيده ، لا نبعث أحدا منكم فيأخذ شيئا ، إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته ، إن كان بعيرا له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة تيعر ، ثم رفع يديه حتى رأيت عفرة إبطية ، فقال : اللهم بلغت ثلاثا » وقال كعب الأحبار : قرأت فيما أنزل اللّه - تعالى - على أنبيائه : الهدية تفقا عين الحكم ، بخلاف مفت ، فلا يحرم عليه قبول الهدية ، وهي أي : الهدية : الدفع إليه ابتداء من غير طلب ، وظاهره أنه يحرم على القاضي قبول الهدية ، ولو كان القاضي في غير عمله ؛ لعموم الخبر ، إلا ممّن كان يهدي إليه قبل ولايته ، إن لم يكن له أي : المهدي حكومة ؛ لأن التهمة منتفية ؛ لأن المنع إنما كان من أجل الاستمالة ، أو من أجل الحكومة ، وكلاهما منتف ، أو كانت الهدية من ذي رحم محرم منه ، أي : من الحاكم ؛ لأنه لا يصح له أن يحكم له ، هذا واضح في عمودي نسبه ، دون من عداهم من أقاربه ، مع أنه يحتمل أن يهدي ؛ لئلا يحكم عليه . ينظر : تحقيقنا في كتاب « تحقيق القضية في الفرق بين الرشوة والهدية » . ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 101 . ( 2 ) أخرجه الطبري في تفسيره ( 3 / 550 ) عن ابن عباس وذكره الرازي في « تفسيره » ( 5 / 101 ) . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 101 . ( 4 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 101 . ( 5 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 101 . ( 6 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 101 .